عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
94
اللباب في علوم الكتاب
قوله : مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ كلاهما متعلق ب « جاءكم » والباء تحتمل المعية والتعدية ، أي : مصاحبين للآيات . فصل في رد شبهة الطاعنين في النبوة هذه شبهة ثانية طعن بها الكفار في نبوته صلّى اللّه عليه وسلّم وتقريرها : أنك يا محمد - لم تفعل كذلك ، فوجب ألا تكون نبيا ، قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في كعب بن الأشرف ، ومالك بن الصّيف وكعب بن أسد ، ووهب بن يهوذا وزيد بن التابوت ، وفنحاص بن عازوراء ، وحييّ بن أخطب ، أتوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا : يا محمد تزعم أن اللّه بعثك إلينا رسولا ، وأنزل عليك كتابا ، وقد عهد اللّه إلينا في التوراة أن لا نؤمن لرسول يزعم أنه جاء من عند اللّه ، حتى يأتينا بقربان تأكله النار ، فإن جئتنا به صدّقناك ، فأنزل اللّه هذه الآية « 1 » . والقربان : كل ما يتقرّب به العبد إلى اللّه - تعالى - من نسيكة ، وصدقة ، وعمل صالح . قال الواحديّ : وأصله المصدر من قولك : قرب قربانا - كالكفران والرّجحان والخسران - ثم سمي به نفس المتقرّب به ومنه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم لكعب بن عجرة - : « يا كعب ، الصّوم جنّة ، والصّلاة قربان » « 2 » . قال القرطبيّ : « وهو فعلان - من القربة - ويكون اسما ، ومصدرا . فمثال الاسم : السّلطان والبرهان ومثال المصدر : العدوان والخسران » . فصل في بيان ادعاء اليهود واختلفوا فيما ادّعاه اليهود . فقال السّدّيّ : إن هذا الشرط جاء في التوراة ، ولكنه مع شرط ، وذلك أنه - تعالى - قال في التوراة : من جاءكم يزعم أنه رسول اللّه ، فلا تصدقوه ، حتى يأتيكم بقربان تأكله النار ، إلا المسيح ومحمد ، فإنهما إذا أتيا فآمنوا بهما ؛ فإنهما يأتيان بقربان لا تأكله النّار ، قال : وكانت هذه العادة باقية إلى مبعث المسيح - عليه السّلام - فلما بعث المسيح ارتفعت وزالت . وقال آخرون : إن ادعاء هذا الشرط كذب على التّوراة ، لأن القربان لم يكن في معجزات موسى وعيسى - عليهما السّلام - وأيضا فإنه إذا كانت هذه معجزة ، فلا فرق بينها وبين باقي المعجزات ، فلم يكن لتخصيصها بالذكر فائدة .
--> ( 1 ) ينظر : الدر المصون 2 / 276 . ( 2 ) انظر أسباب النزول للواحدي ( 99 ) وتفسير البغوي ( 1 / 46 ) وغرائب النيسابوري ( 4 / 155 ) وتفسير الرازي ( 9 / 121 ) وتفسير القرطبي ( 4 / 188 - 189 ) والبحر المحيط لأبي حيان ( 3 / 137 ) .